كتبت/ نرمين موسي رمضان
” بين القانون والسوشيال ميديا.. من يحكم الرأي العام؟”شهدت السنوات الأخيرة العديد من القضايا التي اشتعلت على منصات السوشيال ميديا، حتى أصبحت هذه المواقع بمثابة ساحة جديدة لتشكيل الرأي العام. تحولت أحيانًا إلى ما يشبه “محكمة شعبية” تحاكم الأشخاص والأحداث، ويصدر فيها الجمهور أحكامًا قد تقوم على الظن أكثر من الحقيقة، فتختلط الوقائع بالخيال قبل أن تصل الملفات إلى ساحات القضاء. وبين قوة القانون كأداة رسمية لتحقيق العدالة، وقوة السوشيال ميديا كمنبر جماهيري ضاغط، تبرز إشكالية معقدة: من يملك الكلمة الأقوى في صناعة الحقيقة؟ القانون أم القضاء ؟• رغم كل الانتقادات الموجهة لمواقع التواصل الاجتماعي، لا يمكن إنكار أنها لعبت دورًا إيجابيًا في كشف الكثير من القضايا والملفات المسكوت عنها. فبضغطة زر يمكن أن يتحول حدث صغير إلى قضية رأي عام، ما يدفع الجهات الرسمية إلى التحرك بشكل أسرع. كما أصبحت هذه المنصات وسيلة لتمكين الأفراد من التعبير عن آرائهم، وإيصال أصوات من لا يملكون منبرًا آخر، وهو ما أسهم أحيانًا في تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية.• ففي مصر مثلًا، قضية «طفلة المعادي» التي تم التحرش بها في الشارع لم تكن لتحظى بالاهتمام الكافي لولا أن كاميرات المراقبة والفيديوهات انتشرت على فيسبوك، ما أجبر السلطات على التحرك السريع وإلقاء القبض على المتهم. وكذلك قضية «فتاة التيك توك» التي أثارت جدلًا واسعًا، حيث دفعت الضغوط الجماهيرية إلى فتح نقاش مجتمعي واسع حول الحريات والقيود القانونية• وعلى مستوى العالم العربي، نجد أن السوشيال ميديا ساعدت في كشف وقائع عنف أسري في السعودية والكويت، بعدما لجأت الضحايا إلى نشر قصصهن عبر تويتر وإنستجرام، وهو ما أدى إلى فتح تحقيقات رسمية وتعديل بعض السياسات.أما على الصعيد العالمي، فيمكن الإشارة إلى حركة #MeToo التي انطلقت من الولايات المتحدة وانتشرت في مختلف أنحاء العالم، حيث استخدمت ملايين النساء مواقع التواصل الاجتماعي للإفصاح عن تجاربهن مع التحرش والاعتداء، وهو ما أدى إلى محاسبة شخصيات نافذة في مجالات الفن والسياسة والإعلام. هذه الحركة أبرزت كيف يمكن للسوشيال ميديا أن تتحول إلى أداة ثورية لتغيير القوانين، وتعديل موازين القوى داخل المجتمعات. • الجانب السلبي وخطورة “المحاكم الشعبية” (بعد التطوير):• لكن الوجه الآخر للسوشيال ميديا لا يقل خطورة. فكما أنها ساعدت في كشف قضايا حقيقية وضغطت لتحقيق العدالة، فإنها كثيرًا ما تحولت إلى ساحة للتشهير والاغتيال المعنوي. ملايين المستخدمين قد يحاكمون شخصًا أو مؤسسة عبر التعليقات والمنشورات، فيصدرون أحكامًا جماهيرية سريعة لا تستند إلى دليل قضائي. هذه الأحكام قد تدمّر حياة أشخاص أبرياء أو تلطخ سمعتهم قبل أن تصل القضايا أصلًا إلى ساحات القضاء.• في مصر مثلًا، تعرّض بعض الأطباء في بداية أزمة كورونا لحملات تشويه على السوشيال ميديا واتهامات بالتقصير، قبل أن يثبت لاحقًا أنهم كانوا يعملون في ظروف صعبة تتجاوز طاقتهم. كذلك واجه عدد من الفنانين حملات مقاطعة بسبب مقاطع فيديو أو صور مجتزأة من سياقها، ثم تبيّن أن الحقائق مختلفة تمامًا. وفي قضايا أسرية، نجد أن بعض النزاعات الخاصة بين الأزواج تحولت إلى فضائح علنية على فيسبوك وتويتر، مما ألحق ضررًا بالغًا بالأبناء وسمعة العائلات.• وعلى مستوى العالم العربي، شهدنا في الكويت والسعودية حالات تم فيها تداول مقاطع مصورة أو اتهامات ضد أفراد على نطاق واسع، ثم أُثبت لاحقًا عدم صحتها، لكن بعد أن نال أصحابها نصيبًا كبيرًا من التشهير والإساءة. وعلى المستوى العالمي، لم تخلُ حركة #MeToo من بعض الحالات التي انهارت فيها حياة أشخاص نتيجة اتهامات ثبت لاحقًا عدم دقتها.• وهنا تكمن الإشكالية الكبرى: السوشيال ميديا سريعة في إصدار الأحكام، لكنها لا تملك آليات التحقيق أو التثبت من الأدلة كما يفعل القانون. وبذلك قد تتحول من أداة لكشف الحقيقة إلى وسيلة لطمسها أو تشويهها. موقف القانون من السوشيال ميديا :أمام هذا الواقع المتشابك، حاول القانون أن يواكب التطورات السريعة التي فرضتها السوشيال ميديا. ففي مصر مثلًا صدر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لسنة 2018، الذي يجرّم نشر الأخبار الكاذبة، والتشهير، والاعتداء على الخصوصية عبر الإنترنت. كما أُضيفت مواد في قانون العقوبات لمواجهة جرائم السب والقذف الإلكتروني، حيث يمكن مقاضاة أي شخص ينشر محتوى يسيء إلى سمعة الأفراد أو المؤسسات.ولم تقتصر النصوص على الورق، بل شهدنا تطبيقات عملية لها؛ فقد صدرت أحكام قضائية ضد بعض مستخدمي فيسبوك وتويتر بتهمة نشر شائعات تضر بالأمن العام، وأُدين عدد من مشاهير “التيك توك” بتهم تتعلق بمخالفة قيم الأسرة المصرية أو الاعتداء على الخصوصية. هذه الأحكام أظهرت أن القانون قادر على التدخل لحماية المجتمع والأفراد، وإن كان الجدل مستمرًا حول ما إذا كانت بعض هذه القضايا تقع فعلًا في دائرة الجريمة أم حرية التعبير.وفي السعودية مثلًا، تنص أنظمة مكافحة الجرائم المعلوماتية على عقوبات تصل إلى السجن والغرامة لمن يسيء إلى الآخرين عبر الشبكات الإلكترونية، وقد شهدنا بالفعل صدور أحكام ضد مغردين اتُّهموا بالتشهير أو نشر محتوى مسيء. أما في الإمارات، فالقانون أكثر صرامة، حيث يفرض غرامات قد تصل إلى نصف مليون درهم على من يستخدم الإنترنت في الإساءة أو بث الشائعات.وعلى المستوى الدولي، تتجه دول الاتحاد الأوروبي إلى إلزام شركات التكنولوجيا العملاقة مثل “فيسبوك” و”تويتر” بحذف المحتوى المسيء أو المضلل خلال فترة زمنية قصيرة، وإلا واجهت هذه الشركات غرامات ضخمة.ورغم هذه الجهود، يظل التطبيق العملي مليئًا بالتحديات: فالمحتوى ينتشر بسرعة هائلة، وقد يتم تداوله عبر آلاف الحسابات الوهمية، مما يجعل من الصعب ملاحقة المسؤولين عنه. كما أن بعض القوانين قد تُستغل لتقييد حرية التعبير، وهو ما يثير جدلًا واسعًا حول الحدود الفاصلة بين حماية الحقوق الفردية وضمان حرية الرأي. ما بين قاعات المحاكم وساحات السوشيال ميديا، تقف الحقيقة أحيانًا مرتبكة بين القانون المكتوب والقانون الشعبي. فالقانون يملك الشرعية والأدوات الرسمية للتحقيق وإصدار الأحكام العادلة، بينما تملك السوشيال ميديا سرعة الانتشار وقوة الضغط الجماهيري. كلاهما مؤثر، لكن الخطر يكمن حين يحاول أحدهما أن يحل محل الآخر.فالعدالة الحقيقية لا تُبنى على الظنون أو الانفعالات اللحظية، وإنما على أدلة وحقائق ثابتة. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن السوشيال ميديا أصبحت قوة جديدة تفرض على القانون أن يتطور ويواكب العصر. المطلوب إذن ليس صراعًا بين الطرفين، بل توازنًا: قانون قادر على حماية الحقوق والخصوصية دون أن يقمع حرية التعبير، وسوشيال ميديا أكثر وعيًا بمسؤوليتها تجاه الأفراد والمجتمع.في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: من يملك الكلمة الأقوى في صناعة الحقيقة؟ ربما لا القانون وحده ولا السوشيال ميديا وحدها، بل التقاء الاثنين في منظومة تحقق العدالة وتحمي الإنسان من التشويه أو الظلم.


